أحمد بن محمد المقري التلمساني
318
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
في عقلي ، لا لما ينقصه ، فعرفوا بذلك قدره ، ثم أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال : إن هذه من القلب والعين بمكان ، وإن أنا اشتغلت عنها بهمّتي فيما أطلبه ظلمتها ، وإن اشتغلت بها عمّا أطلبه ظلمت همتي ، ولا حاجة لي بها الآن ، وردّها على صاحبها . ولمّا استقامت له الدولة بلغه عن بعض من أعانه أنه قال : لولا أنا ما توصّل لهذا الملك ، ولكان منه أبعد من العيّوق « 1 » ، وأن آخر قال : سعده أعانه ، لا عقله وتدبيره ، فحركه ذلك إلى أن قال : [ بحر الكامل ] لا يلف ممتنّ علينا قائل * لولاي ما ملك الأنام الداخل سعدي وحزمي والمهنّد والقنا * ومقادر بلغت وحال حائل « 2 » إنّ الملوك مع الزمان كواكب * نجم يطالعنا ونجم آفل « 3 » والحزم كلّ الحزم أن لا يغفلوا * أيروم تدبير البريّة غافل ؟ ويقول قوم سعده لا عقله * خير السعادة ما حماها العاقل أبني أميّة قد جبرنا صدعكم * بالغرب رغما والسعود قبائل ما دام من نسلي إمام قائم * فالملك فيكم ثابت متواصل وحكى ابن حيان أن جماعة من القادمين عليه من قبل الشام حدّثوه يوما في بعض مجالسهم عنده ما كان من الغمر بن يزيد بن عبد الملك أيام محنتهم ، وكلامه لعبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس الساطي بهم ، وقد حضروا رواقه وفيه وجوه المسوّدة من دعاة القوم وشيعتهم رادّا على عبد اللّه فيما أراقه من دماء بني أمية ، وسلبهم والبراءة منهم ، فلم تردعه هيبته وعصف ريحه واحتفال جمعه عن معارضته والردّ عليه بتفضيله لأهل بيته والذبّ عنهم ، وأنه جاء في ذلك بكلام غاظ عبد اللّه وأغصّه بريقه ، وعاجل الغمر بالحتف ، فمضى وخلف في الناس ما خلف من تلك المعارضة في ذلك المقام ، وكثر القوم في تعظيم ذلك ، فكأنّ الأمير عبد الرحمن احتقر ذلك الذي كان من الغمر في جنب ما كان منه في الذهاب بنفسه عن الإذعان لعدوّهم ، والأنف من طاعتهم ، والسعي في اقتطاع قطعة من مملكة الإسلام عنه ، وقام عن مجلسه ، فصاغ هذه الأبيات بديهة : [ بحر مخلع البسيط ]
--> ( 1 ) العيّوق : نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمها . ( 2 ) المهند : السيف . والقنا : الرماح ، مفردها قناة . ( 3 ) آفل : اسم فاعل من أفل : أي غاب .